PRESS RELEASE
2018-04-23 12:35:41
المجتمعات النامية ... وثقافة الاستهلاك ... بقلم تيسير مخول

إن انتشار الثقافة الاستهلاكية من مركز النظم الرأسمالية إلى محيطات العالم الثالث قد أوجد أيديولوجية استهلاك قوامها النظر إلى الاستهلاك كهدف في حد ذاته وربطه بأسلوب الحياة، وبأشكال التميز الاجتماعي، الأمر الذي جعل الناس يتدافعون نحو الاستهلاك بغض النظر عن ح

 
لقد أصبح الأفراد في ظلِّ أيديولوجيا الاستهلاك أكثر تأثُّرًا بالآخرين وبمتغيرات السوق.ومن ثَمَّ تحولت ذواتهم تحت تأثير الاستهلاك المادي والمعنوي إلى ذوات خاضعة لا تملك من أمرها شيئًا، وصارت الجماعات الاجتماعية تسعى من خلال الاستهلاك إلى تأكيد وضعها الاجتماعي ومكانتها في المجتمع، واتجه عدد كبير من الأفراد نحو الْمُتَع الحسِّية والاعتناء بالجسد؛ تواكبًا مع كل المنتجات التي تهدف إلى تجميل الجسد أو الترفيه عنه.

يؤدي الاستهلاك المفرط للبضائع والمنتوجات إلى التأثير السلبي الكبير على عملية التنمية في البلدان النامية، فهو يتسبب بهدر الموارد المالية الموجودة لديها، رغم ندرتها أصلاً، واحتياجها الشديد له لإدامة حركة التنمية فيها. وقد تأثرت الشرائح الاجتماعية بعضها بالبعض في نشر هذه الأنماط في عملية تقليد جماعية مؤثرين بعضهم بالبعض الآخر. وأدى الاستمرار في عملية الاستهلاك المفرط إلى إيجاد رغبات ونزعات استهلاكية متوالية لدى هذه الشرائح، وما يتفق مع مصالح الشركات المنتجة للسلع والبضائع على حساب الفئات المستهلكة وبما أدى إلى استنزاف دخل هذه الفئات وتحويل أسواق الدول النامية وشرائحها الاستهلاكية إلى مجرد توابع وأسواق لتصريف البضائع. وباتت الكثير من هذه الشعوب، في كثير من الحالات مجرد مستهلكين هامشيين يشكلون مصدراً جيداً للربح بصرف النظر عما ساهمت به هذه العملية من آثار سيئة على واقعهم الاقتصادي والاجتماعي وتر سخت ظاهرة التبعية الاقتصادية للخارج وبما أثر سلباً على الصناعات الوطنية ثقافة الاستهلاك.... أول ما قرأت عن معنى هاتين الكلمتين , أدركت خطورة تأثيرها على المجتمعات المحافظة والمعتزة بقيمها وأصالتها..
"ثقافة الاستهلاك": تعني تصدير ثقافة ما إلى بلد آخر عن طريق التسويق , , وأيضا نقل العادات و طريقة و أسلوب تناول المستهلك ... وقد تكون مرتبطة بالعولمة ..

النص التالي يوضح المفهوم جيدا:
" تصدير ثقافة الاستهلاك يتحدث الفصل الثامن عن عولمة وأمركة الاستهلاك، ويركز على مقولة أن نمط الاستهلاك السائد يقضي على ثقافات الشعوب وخصوصياتها. ويقول حتى لو لم يتم فتح فروع للمطاعم والمنشآت الأميركية في البلدان المختلفة فإن نمط إدارة وشكل
وأدوات هذه المنشآت ينسخ التجربة الأميركية، بل إن المحلات التي تدعي أنها وطنية وبرأس مال محلي وتقدم سلعا وطنية قد تكون أكثر خطورة من تلك الأجنبية، إذ يصعب على مناهضي الرأسمالية والعولمة رفضها ومناهضتها، على العكس من مواجهة ماكدونالد والأسماء الأميركية الواضحة بصفتها منتجا أجنبيا يأتي بأدوات ثقافات أجنبية مرتبطة بدول أخرى، ولكن الشركات المحلية تنسخ الثقافات والأنماط الاجتماعية الغربية وتدعي الوطنية أيضا.
ويصدق نمط ماكدونالد للاستهلاك مقولات بعض المنظرين من أن العولمة قد تضعف وقد تقوي الدولة القومية، فمثلا ربما تكون الحكومة الصينية تريد إبقاء ماكدونالد خارجها، ولكنها لا تستطيع بفعل الضغط الشعبي وتوق الناس لأنماط لتي الاستهلاك يرونها في سفرهم أو من خلال وسائل الإعلام والمحاطة بهالة من الجذب والسحر. وإذا كانت مقولة إن كثيرا من أموال الشركات الأميركية العاملة في الخارج تعود إلى الولايات المتحدة وفي جزء منها إلى الخزينة الأميركية، فإن هناك مقولة مضادة تقول إن هذه الشركات تعمل بمعزل عن الدولة الأميركية وبالتالي فهي أيضا تضعفها وتقلل من سيطرتها على الأمور. ولعل من الطرائف حول شعبية ماكدونالد على حساب الدولة الأميركية ذاتها أن سفيرا أميركيا في بلد ما ذهب لافتتاح أول فروع ماكدونالد في ذلك البلد مرتديا قبعة البيسبول المرصعة بشعار ماكدونالد الذهبي التقليدي، ففوجئ بمراهق يتقدم إليه حاملا قبعة شبيهة ويسأله: هل أنت السفير؟ فرد السفير بالإيجاب، فمد المراهق قبعته طالبا من السفير توقيعها له. فسر السفير بذلك وقال بينما يهم بالتوقيع هذه هي المرة الأولى التي يطلب أحد توقيعي. ورد الشاب المنفعل ولكن لابد أنها مهنة جميلة أن تكون سفيرا لماكدونالد تجول العالم وتفتتح فروعا؟ فبهت السفير وأجاب: أنا سفير الولايات المتحدة وليس سفير ماكدونالد. فبانت الخيبة في عيون
الشاب، وعندها أردف السفير: هل مازلت تريد التوقيع؟ فسحب المراهق قبعته قائلا: لا، شكرا.
مجتمع الاستهلاك قائم على الزيف وتقديم السلعة في إطار أقرب للمسرحية والتمثيل والخداع فهو يقدم المجتمع بصورة فرحة مثالية وليس بصورة مجتمع يقوم على قمع واستغلال الناس، وهذا بحد ذاته تحدٍّ كبير للوطنيين الذين يدركون فساد هذا المجتمع

سحر الاستهلاك ومقاومته
يناقش ريتزر بعمق أفكار مجموعة من المفكرين حول مجتمع الاستهلاك والسلوك الاستهلاكي بما في ذلك آراء بعض المفكرين حول مقاومة الاستهلاك. فيبدأ بمجموعة من المفكرين الفرنسيين شكلت تحليلاتهم وآراؤهم خميرة التحركات الطلابية الشهيرة في فرنسا عام 1968 ومازالت تلقى رواجا واضحا. ويرى هؤلاء المفكرون أن مجتمع الاستهلاك قائم على الزيف وتقديم السلعة في إطار أقرب للمسرحية والتمثيل والخداع، فهو يقدم المجتمع بصورة فرحة مثالية وليس بصورة مجتمع يقوم على قمع واستغلال الناس، وهذا بحد ذاته تحدٍّ كبير للثوريين الذين يدركون فساد هذا المجتمع. ومن تكتيكات هذا المجتمع الخطيرة، أنه يتم اختراع الحاجات حتى قبل أن يتم اختراع المنتجات، فالمنتجون عبر الإعلان والإعلام ووسائل أخرى يوجدون عند الناس قناعة بحاجتهم إلى أشياء معينة لا يحتاجونها فعليا، وهكذا يخلقون الحاجة
إلى السلعة ثم ينتجون السلعة ذاتها. ومن التكتيكات الأخرى اختراع الاحتفالات والمناسبات والمهرجانات والأعياد المختلفة، وهناك أيضا الاعتماد على نشر أكبر عدد ممكن من الفروع ومراكز توزيع السلع.

أما أهم أفكار مواجهة مثل هذا المجتمع فمتنوعة، منها -بحسب هؤلاء المفكرين- فكرة "الانشقاق" القائمة على الاندماج في هذا المجتمع والتظاهر من قبل فرد أو جماعات أنهم مثل باقي قطاعات المجتمع يعيشون في هذا المجتمع الاستهلاكي، ومن ثم يبدؤون بتبيين نقاط الضعف والأزمات فيحتجون عليها ويفضحونها محاولين تطوير ما يشبه الثورة ضدها. فمثلا عندما يكتشفون وسائل التلاعب والخداع التي تمارسها المتاجر الكبرى في نظام التسعير والبيع يكشفونها ويثيرون ضجة حولها.

ويمكن أن يقوم هؤلاء بالتصرف بشكل مضاد تماما لآليات الخداع والسحر التي تمارسها المتاجر، فمثلا إذا كانت المتاجر تضع رغيف الخبز في نهاية السوبرماركت حتى يضطر الزبون للمرور برفوف البضائع الأخرى، فإن هؤلاء المقاومين يمكن أن يعمدوا لدخول السوبر ماركت من الباب الجانبي وتشجيع غيرهم على ذلك مما يفسد نظام المتاجر.

ومن الأفكار الأخرى لمواجهة مجتمع الاستهلاك الالتفافية" من خلال استخدام شعارات وعبارات ورسومات تلك المحلات والمتاجر في ترويج دعاية وأيديولوجية مضادة، فتحرّف عبارات الترويج لتعني مدلولا سلبيا وبالتالي تضطر تلك الشركات لتغيير عباراتها وإعلاناتها باستمرار مما يؤدي إلى إفشالها. وفكرة ثالثة هي "خلق مجتمع غير استهلاكي"، بإقامة احتفالات ولقاءات للناس والأصدقاء واجتذاب غرباء للمشاركة في مناسبات غير تجارية وبأماكن وأساليب بعيدة عن تلك المواقع الاستهلاكية.
وقد تعاظمت تأثيرات وسائل الإعلام على الجمهور بتطور التكنولوجيا الحديثة المستخدمة في العمل الإعلامي وتغلغلت في مختلف مرافق المجتمع ووصلت إلى مختلف الشرائح وفي مختلف الأماكن الجغرافية التي يعيشون فيها. أي أن تكنولوجيا الإعلام الحديثة زادت من مديات نشر الرسائل الإعلامية وضاعفت من إمكانيات تأثيرها على الجمهور. وما زاد من هذا التأثير التداخل الكبير والواسع بينها وبين وسائل الاتصال الأمر الذي زاد من حدة التأثير وبشكل متزايد. التأثيرات السلبية لثقافة الاستهلاك على النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات النامية تؤثر وسائل الإعلام بمختلف أشكالها على سلوكيات وثقافة واتجاهات الجمهور المتلقي لها وتتفاوت شدة هذا التأثير باختلاف هذه الوسائل وتفاوت مستويات وعي
وثقافة الجمهور إلا أنها في المحصلة النهائية لها التأثير الكبير والمتزايد على هذا الجمهور. وتمتد هذه التأثيرات لتشمل الأفكار والرؤى والتصورات عن الآخرين وأنماط السلوك وأساليب الحياة ومن ضمن ما تؤثر عليه وسائل الإعلام هو الأنماط الاستهلاكية لدى الجمهور، وهو ما تعنى به هذه الدراسة.ولوسائل الإعلام الدور الكبير في نشر الأنماط الاستهلاكية المفرطة لدى جمهورها في المجتمعات النامية وجعلها بفعل التكرار والتوسع في نشرها وبمرور الزمن ظاهرة اجتماعية اقتصادية ازدادت رسوخاً وتطورت إلى أن تصبح (ثقافة) للاستهلاك في هذه المجتمعات. وهي ظاهرة انتقلت إليها من المجتمعات المتقدمة، ولم تراع في نقل هذه الظاهرة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين هذه المجتمعات. فالبرامج والأفلام والمسلسلات والمواد الإعلامية الأخرى غزت الوسائل الإعلامية الوطنية في الدول النامية حتى أن الكثير من المحطات التلفازية في هذه الدول تشغل المواد الإعلامية المستوردة من الدول الغربية أكثر من نصف أوقات الإرسال فيها، وذلك بسبب ضعف إمكاناتها الفنية والنوعية والمالية والتكنولوجية في الإنتاج الإعلامي.
وبذلك فإن ظاهرة الاختلال الإعلامي العالمي ازدادت تفاقماً بازدياد تمركز الإعلام الدولي وتعمق أحادية حركته باتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب، بكل ما يحمله من قيم غربية ويأتي الاستهلاك المفرط كواحد من هذه القيم. وتعمل وسائل الإعلام عن طريق ترويجها للأنماط الاستهلاكية المفرطة بعملية نقل (صورة) المجتمعات الغربية بما تحمله من دلالات وتصورات ومضامين الرخاء والرفاهية التي تعيشها هذه المجتمعات والمقترنة بالاستهلاك المفرط إلى جمهور وسائل الإعلام في الدول النامية وتزين لهم أو تحثهم بشكل مباشر أو غير مباشر على الاقتداء بها. أي أنها تعمل على أقران الرفاهية بالاستهلاك والرخاء بالإسراف، فتدفع جمهورها إلى محاكاة النمط الغربي في محاولاته البائسة لبلوغ الرفاهية التي وصلت إليها المجتمعات الغربية. وقد استخدمت كل هذه الآليات بصورة أو بأخرى من اجل نشر النزعات الاستهلاكية
وتعميقها في المجتمع وبالشكل الذي اوجد (ثقافة) للاستهلاك في البلدان النامية بين جمهور وسائل الإعلام وبما اثر سلبا عليها وعلى واقعها. أن انتشار النزعات الاستهلاكية المفرطة في المجتمعات النامية مقرونة بالتخلف الاقتصادي الذي تعيشه الكثير منها، لهو كفيل بتحقيق أقصى درجات التخلف والتأخر لها. فالشعوب التي ارتضت لنفسها مجرد استهلاك ما ينتجه الغير من دون المساهمة مساهمة ايجابية وفاعلة في حركة الإنتاج العالمي البالغة التقدم والمتلاحقة التطور باطراد، هي شعوب تحكم على نفسها بالتقهقر المادي والحضاري ثم لا تلبث أن تجد نفسها بعد عدة أجيال مجرد كائنات طفيلية مستهلكة قابلة للاندثار والانقراض.
فهي تهدف إلى تحقيق الربح بصرف النظر عن الأهداف الأخرى. ووصلت المبالغ المالية التي تصرف على نشر وتصنيع الإعلانات سنويا إلى مبالغ طائلة تبلغ مليارات الدولارات. وباتت الإعلانات (صناعة) قائمة بذاتها تدر على الشركات المصنعة والمسوقة مليارات الدولارات. وتعد الإعلانات إحدى أهم الأدوات التي تستعملها الشركات الرأسمالية المنتجة للبضائع والسلع في نشر الأنماط الاستهلاكية في المجتمع .
غير أنه يمكن القول أنه منذ تحولت بعض الدول إلي الرأسمالية من جديد في عصر الانفتاح الاقتصادي، بدأت عملية التدهور الطبقي في الاتساع والتعمق حقبة بعد حقبة‏.‏ ونقصد بالتدهور الطبقي علي وجه التحديد الاتساع الضخم في الفجوة بين الأغنياء والفقراء‏,‏ وبروز آليات اقتصادية تسمح للأغنياء بأن يزدادوا غني‏,‏ وتدفع بالفقراء لكي يزدادوا فقرا‏.‏ وأخطر من ذلك يأتي الزحف الاستهلاكي لكي يدفع بأعضاء الطبقات الفقيرة والمتوسطة لكي ينفقوا ما يفوق طاقتهم في مجالات الاستهلاك الكمالي‏,‏ مما أحدث خللا واضحا في ميزانية الأسر‏.‏ ويكفي أن نعرف أن مئات‏ مليارات تصرف سنويا علي مكالمات الهاتف المحمول‏,‏ الذي أصبح يستخدم للوجاهة الاجتماعية وليس لتلبية الحاجات الضرورية للاتصال‏.‏ هذا مثال بارز علي السفه الاستهلاكي الذي تغذيه الشركات الكبرى حتى يعتقد الناس أن الحاجات الكمالية أصبحت حاجات ضرورية‏,‏ وذلك في مجتمع يعجز الآن عن سد الحاجات الضرورية لملايين البشر‏!‏ هذه هي مفارقة العولمة والزحف الاستهلاكي، أن الوعي بهذه المشكلة أصبح ضرورة في البلدان التي تخترقها النزعة الاستهلاكية بصورة حادة. ومن ثَمَّ، ينبغي وضع شعار ترشيد الاستهلاك موضع العناية الحقيقية، فالناس لا يتجهون للاستهلاك الرشيد، إلا إذا أحس عدد منهم بالرغبة في تغيير أنماط حياتهم وسلوكهم، ولن يحدث هذا في يوم وليلة، كما لن يحدث بمرسوم أو تشريع، وإنما الأمر يتطلب عملية تربوية وتعليمية طويلة الأمد، ولعلَّ هذه العملية تبدأ من مرحلة الطفولة باعتبار أن المستقبل للأطفال.


تيسير مخول

http://www.shahbanews.com/ar/news/plain_text/23292.txt